الشوكاني
389
فتح القدير
قوله ( وكذلك أنزلناه ) معطوف على قوله " كذلك نقص عليك " : أي مثل ذلك الإنزال أنزلناه : أي القرآن حال كونه ( قرآنا عربيا ) أي بلغة العرب ليفهموه ( وصرفنا فيه من الوعيد ) بينا فيه ضروبا من الوعيد تخويفا وتهديدا أو كررنا فيه بعضا منه ( لعلهم يتقون ) أي كي يخافوا الله فيتجنبوا معاصيه ويحذروا عقابه ( أو يحدث لهم ذكرا ) أي اعتبارا واتعاظا ، وقيل ورعا ، وقيل شرفا ، وقيل طاعة وعبادة ، لأن الذكر يطلق عليها . وقرأ الحسن " أو نحدث " بالنون ( فتعالى الله الملك الحق ) لما بين للعباد عظيم نعمته عليهم بإنزال القرآن نزه نفسه عن مماثلة مخلوقاته في شئ من الأشياء : أي جل الله عن إلحاد الملحدين وعما يقول المشركون في صفاته فإنه الملك الذي بيده الثواب والعقاب وأنه الحق أي ذو الحق ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ) أي يتم إليك وحيه . قال المفسرون : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل من الوحي حرصا منه على ما كان ينزل عليه منه فنهاه الله عن ذلك ، ومثله قوله - لا تحرك به لسانك لتعجل به - على ما يأتي إن شاء الله ، وقيل المعنى : ولا تلقه إلى الناس قبل أن يأتيك بيان تأويله ، وقرأ ابن مسعود ويعقوب والحسن والأعمش " من قبل أن نقضي " بالنون ونصب وحيه ( وقل رب زدني علما ) أي سل ربك زيادة العلم بكتابه ( ولقد عهدنا إلى آدم ) اللام هي الموطئة للقسم ، والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها من تصريف الوعيد : أي لقد أمرناه ووصيناه ، والمعهود محذوف ، وهو ما سيأتي من نهيه عن الأكل من الشجرة ، ومعنى ( من قبل ) أي من قبل هذا الزمان ( فنسى ) قرأ الأعمش بإسكان الياء ، والمراد بالنسيان هنا ترك العمل بما وقع به العهد إليه فيه ، وبه قال أكثر المفسرين ، وقيل النسيان على حقيقته ، وإنه نسي ما عهد الله به إليه وينتهي عنه ، وكان آدم مأخوذا بالنسيان في ذلك الوقت ، وإن كان النسيان مرفوعا عن هذه الأمة ، والمراد من الآية تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم على القول الأول . أي أن طاعة بني آدم للشيطان أمر قديم ، وأن هؤلاء المعاصرين له إن نقضوا العهد فقد نقض أبوهم آدم ، كذا قال ابن جرير والقشيري ، واعترضه ابن عطية قائلا بأن كون آدم مماثلا للكفار الجاحدين بالله ليس بشئ ، وقرئ " فنسى " بضم النون وتشديد السين مكسورة مبنيا للمفعول : أي فنساه إبليس ( ولم نجد له عزما ) العزم في اللغة توطين النفس على الفعل والتصميم عليه ، والمضي على المعتقد في أي شئ كان ، وقد كان آدم عليه السلام قد وطن نفسه على أن لا يأكل من الشجرة وصمم على ذلك ، فلما وسوس إليه إبليس لانت عريكته وفتر عزمه وأدركه ضعف البشر ، وقيل العزم الصبر أي لم نجد له صبرا عن أكل الشجرة . قال النحاس : وهو كذلك في اللغة ، يقال لفلان عزم : أي صبر وثبات على التحفظ عن المعاصي حتى يسلم منها ، ومنه - كما صبر أولوا العزم من الرسل - ، وقيل المعنى : ولم نجد له عزما على الذنب ، وبه قال ابن كيسان ، وقيل ولم نجد له رأيا معزوما عليه ، وبه قال ابن قتيبة . ثم شرع سبحانه في كيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه ، والعامل في إذ مقدر : أي ( و ) أذكر ( إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) وتعليق الذكر بالوقت مع أن المقصود ذكر ما فيه من الحوادث للمبالغة ، لأنه إذا وقع الأمر بذكر الوقت كان ذكر ما فيه من الحوادث لازما بطريق الأولى وقد تقدم تفسير هذه القصة في البقرة مستوفى ، ومعنى ( فتشقى ) فتتعب في تحصيل ما لا بد منه في المعاش كالحرث والزرع ، ولم يقل فتشقيا ، لأن الكلام من أول القصة مع آدم وحده ، ثم علل ما يوجبه ذلك النهي بما فيه الراحة الكاملة عن التعب والاهتمام فقال ( إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى ) أي في الجنة . والمعنى : أن لك فيها تمتعا بأنواع المعايش وتنعما بأصناف النعم من المآكل الشهية والملابس البهية ، فإنه لما نفى عنه الجوع والعرى أفاد ثبوت الشبع والاكتساء له ، وهكذا قوله ( وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى ) فإن نفى الظمأ يستلزم حصول الري ووجود المسكن الذي يدفع عنه مشقة الضحو